محمد أبو زهرة
1186
زهرة التفاسير
وقبل أن نترك الكلام في هذه الآية الكريمة ، لا بد من الإشارة الواضحة إلى أمرين : أولهما : في معنى الاتباع الذي يوجب المحبة ، ومعنى ترتيب المحبة على الاتباع . وثانيهما : التعريف بهذه المحبة التي يتصف بها العبد ، وتترتب عليها محبة اللّه تعالى : أهي الطاعة أم شئ أعلى من الطاعة ؟ وما محبة اللّه : أهي الرحمة أم أمر أعلى من الرحمة والإحسان ، ولله الفضل والمنة في كل حال . أما بالنسبة للأمر الأول ؛ فإن النص الكريم قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ يفيد الطريق والغاية ، أو الدليل والنتيجة ؛ أما الطريق فهو اتباع الشريعة ، وأما الغاية القصوى فهي محبة العبد لربه ، ومحبة الرب لعبده ، أي تبادل المحبة بين الخالق والمخلوق ، وكل بما يليق به ، وبما يتفق مع نوع وجوده ؛ فواجب الوجود وذو الكمال المطلق جل جلاله محبته تليق بذاته العلية ، وجائز الوجود الحادث المخلوق محبته حال يتفق مع حدوثه ، ونقص وجوده . وقد فصل اللّه الاتباع الذي يوجب المحبة السامية بعض التفصيل في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ . . . ( 54 ) [ المائدة ] . فعلامات الاتباع التي يترتب عليها أن يحبهم الله ويحبوه ، أربع : أولها : أنهم أذلة على المؤمنين ، وقد قال عطاء في هذا : إنهم للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده ، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . . . ( 29 ) [ الفتح ] . والعلامة الثانية : أنهم أعزة على الكافرين ، أي لا يخضعون للكافرين ولا يحالفونهم على المؤمنين ، ولا يختارون أن يدخلوا في ولايتهم ويتركوا ولاية المؤمنين .